العتاب والتسامح ومواجهة النفس



عندما غنى عبد الحليم من كلمات مرسي جميل عزيز بلاش عتاب يا حبيبي، كان في الأصل وربما دون أن يدري يروج لأحد أهم الفلسفات النفسية التي تقومنا لحياة أفضل!

الحقيقة مع كل يوم فى حياتنا توجد فرصة جديدة للتسامح وتجديد النفس وغسل الروح وتحقيق الراحة النفسية ولكن ما أن يستيقظ كلا منا و يضع نفسه فى خلاط الحياة حتى نصبح مستهلكين لأقصى درجة.

الكثير من الشباب أصبح أنجح ما بحياتهم الاجتماعية يحدث على العالم الفيرتشوالي، وقد أكد علم النفس إن التفاعل الالكتروني يزيد من العدوانية والعصبية والميول إلى العزلة وحب التوحد والاكتئاب، إضافة إلى نظرية الجدران والتي سبق ذكرها في مقالي الأسبق والتي سأتناولها بشكل أكثر إستفاضة في أحد المقالات القادمة.

وإعتبر البعض أن ذلك الإكتشاف ينفي قدرتهم بالاستمتاع بالاختلاط الفيرتشوالي، وذلك لأن الوعي الجمعي تم برمجته من قبل الخطأ على أن شئ ينفي شئ، كل ما في الأمر وكل المطلوب هو الاستخدام الواعي لكل ما يحيط بك في حياتك وذلك يتطلب الكثير من المهارات التي لم يتعلمها الأغلبية العظمى لا في المدارس ولا في البيوت مثل مهارة الحسم ومهارة إتخاذ القرار ومهارة الفحص الواعي ومهارة التعامل مع الضغط الناتج عن وجود تلك الفكرة الوهمية التي يطلق عليها تيارالأغلبية.

ومن ضمن آفات حياتنا والتي تتسبب في ترسب تراكمات سلبية على نفسيتنا ونفسية من حولنا أو كل من يحاول الاقتراب منا هو أننا أصبحنا في منظومة تبالغ في فكرة العتاب وتفتقد للكثير من التسامح والمواجهة.

فمثلا نخشى مكالمة هاتفية بسيطة لأننا نخشى عواقب المواجهة ونترك التليفون يرن لأن شخص ما له طلب أو عمل عندنا و بدلا من أن نعتذر بلطف لأننا مضغوطين فعلا، نتجاهل الموقف أو نهرب منه، متسببين فى حالة قلق لأنفسنا وحيرة معلقة فى دماغ الشخص الذى يتصل بنا. ليس فقط لأننا لا نمتلك الوقت ولكن أيضا لأننا أصبحنا مكبلين لدرجة تجعلنا لا نمتلك الدماغ ولا سعة النفس، وذلك إضافة على عدم قدرتنا على الثقة في رد فعل الآخر.

بسهولة بنتضايق من العتاب ولا نوجع أدمغتنا (الموجوعة خلقه) بالمواجهة، أصبحنا (مش طايقين بعض أو نفسنا) ومناعتنا النفسية تراجع أداؤها كثيرا أمام الضغوط الحياتية المعقدة التي نمر بها بشكل متكرر ويومي دون أن ندري أو أن يكون لدينا الوعي الكافي.


 أصبحنا نضغط  (ديليت) و(هايد) و(أن فولو) على أي شئ أو شخص يتسبب لنا في ضيق أو تكدير، نتخيل أننا آلهة لنا القدرة على أن نحكم بالإعدام على ذكريات آلمتنا من ضغطة زر على شاشة التليفون أو الكمبيوتر، ونحن في الواقع عبيد لهذه الآلة ومساجين مشاعرنا، التي لا نقوى على مواجهتها.


والكلام هنا لا ينفي على الاطلاق صحة عملية تنظيف الدوائر الاجتماعية المحيطة بنا وهو موضوع سنتطرق إليه في المرات القادمة ولكن القضية الأساسية هى أن إتباع أسلوب للتعامل مع من يحيطونك أمر يتطلب وعي كافي، فمثلا يتخيل الكثيرون أن الهروب يحل الأزمات ولكن الهارب دائما هو أول الخاسرين. الهروب لا يعني حسم الأمور على الاطلاق، أو إختفاءها من حياتك. عدم تواجد المشكلة المادي سواء تمثلت في أشخاص أو أشياء لا يعني زوالها. المواجهة في الأصل لا تعني الآخريين شيئا، مواجهة نفسك هى المعنية بكل شئ ومنها إلى طريقة إدراة أفضل لحياتك.

ومع تزايد الحزن وتداعياته والأخبار السيئة والحملات الاعلامية التي تريد أن تطيح بأفكار الأمان من الأدمغة، أصبحنا نحاول أن نتظاهر بأننا "فل" و "تمام" و "مكبرين دماغنا" و"مش فارق معانا" وذلك عكس ما نشعر به، ولذا ترتفع الأحمال ويتحول التداعي إلى شبكة عنكبوتية تلتف حولنا لتقيدنا وتعرقل حياتنا. نبحث عن النتيجة و بيهمنا شكلنا أدام الناس اللى مش مهمة أصلا وكتير بنسمع جمل بالشكل ده سواء في دماغنا أو من الناس اللي حوالينا:
"و أنا هاسأل ليه طب ما هو مابيسألش"
"هى اللى زعلتنى أكلمها ليه لتفتكر انها صح..هى اللى لازم تكلمنى"
"نفسى أكلمه أطمن عليه بس هيفهمنى غلط"
"عايز أبعتلها رسالة من قلبى بس خايف تفهمنى غلط"

أصبحنا بنحسب المشاعر و نتلون على حسب رد الفعل و ننتظر المقابلات المادية من العطاء اللامادى. ببساطة البحر الذي ذكر في "إعمل الخير وإرميه البحر" هو سيادتك. ولذا العتاب هو حقا إختراع لا قيمة له، وإنما المواجهة مع النفس أولا، بمعنى حسم مشاعرك وإدراكها والتسامح مع نفسك، من النادر جدا حدوث مشاكل في علاقة بين إثنين لا يحمل أسبابها الطرفين، ولذا قبل أن تلقى باللوم على الآخرين، إمسح كلمة اللوم من قاموسك، اللوم عنيف ورد فعله المباشر في أغلب الحالات هو الهجوم والدفاع وفي أغلب الحالات يدفعك إلى منطقة خطيرة جدا وهى منطقة الشماعات وهى خلق شماعات كثيرة عشان تعلق عليها كل خطأ يتدارك حياتك.

فقط عندما تتأكد أنك لست معنيا باللوم (لوم نفسك ولا الآخرين)، فقط ساعتها هتبدأ في مواجهة نفسك ومراجعتها.

صحيح أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، وأول نقطة هتقابلها لكي تتمكن من رسم هذا الخط المستقيم هى نفسك وليست الآخرون. مواجهتك مع النفس في مجملها نوع من الوضوح، أبسط الأشياء يمكنها أن تفك رموز شفرة رحمة ما كنت تتنماها لنفسك في حياتك. فقط عليك أن ترحم نفسك أولا!

أبسط الأشياء يمكنها أن تغير من حالتك النفسية للأحسن وأن تداوى جزء ولو بسيط من ألمك وأن تعطي لنفسك دفعة لطاقة أكبر لكي تستكمل مسيرتك في تحقيق أحلامك. نسجن أنفسنا داخل الظنون والشكوك والمخاوف والحسابات ونظرة المجتمع والناس. فينا حيل نعاتب بعض وطاقة نزعل من بعض وقدرة على التوبيخ فائقة وقدرة على مجاملة أشخاص لا يضيفوا إلى حياتنا أي شئ بس علشان أكل العيش والحياة يمشوا (يمشوا يروحوا فين بالظبط؟) ثم إن صاحب هذا المبدأ شخص في الأغلب إضطر للنفاق، فهل تتبع نصيحة منافق؟


بالرغم من كل شئ لدينا كل تلك الطاقة من الهلاك لكن مش قادرين على التسامح ولا إلتماس الأعذار ولا كلمة حب بسيطة جدا بس من الممكن أن تحل الكثير. علم النفس يحذر الانسان من أن يعيش فى عالم من عدم التصالح مع الغير لأن به جزء كبير من عدم التصالح مع النفس. وعدم التصالح مع النفس مشاعر سلبية تتحول مع الوقت إلى ضرر نفسي وجسدي وضعف في الكفاءة العامة للتعامل مع المجتمع المحيط بك.

 السلام الداخلي حالة لا تستحدث نفسها من العدم وإنما هى حالة تحتاج إلى الكثير من الجهد وحسم الأمر مع النفس والإشتغال عليها. وعندما تحسم أمرك مع نفسك فأنت تمكن نفسك من قدر عالي من الوضوح في الحياة، وبالتالي قدرة أكبر في التعامل معها.

مش من السهل على الاطلاق أن تقتحم دائرة الأسلاك الشائكة فى حياتك وتحلها واحدة واحدة بخطوات بسيطة، ولكن بالتدريج ستتمكن من طاقة أكبر لمواصلة الحياة، من الأفضل أن تشقى يوم أو بضعة أيام في سبيل أن ترتاح بشكل نسبي إلى الأبد، بدلا من أن تصر على شقائك رغم كل النعم من حولك. ورحمتك أو شقائك مرهونين بشكل كبير على ما تختاره وترضاه أنت لنفسك.

الحياة بسيطة إن كنت بسيط ومعقدة إن عقدت الأمور. فقط عليك بتقبل نفسك أولا، وإن أردت تقبلها عليك بمعرفتها، وإن أردت معرفتها عليك بمواجهتها بما لها وما عليها، وإن أردت العدل لنفسك فعليك أن تعدل في مواجهتك بما لك وما عليك، وأن تتقبلها وتسامحها وتشتغل عليها حتى تصل إلى وعي يقوم نفسك على العيش في إيجابية وسلام. 

All content provided on the Mashouraa blog and Cloudwalkersand Kiterunners blog are for informational purposes as part of my vision to serve the empowerment of humanity. The owner of these blogs is Ghada Sharif, a British trainer Coach, Mentor and Psychotherapist. All copyrights ©Cloudwalkers and Kiterunners UK 2005.  
For inquiries and appointments, please email cloudwalkersandkiterunners@gmail.com






Comments

Popular Posts